الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
مختصر الامثل
إنّ من المناسب أن تسمّى « روح اللَّه » قد دبّت في الإنسان ونفخت فيه . وَقَالُوا أَ إِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ( 10 ) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) الندم وطلب الرجوع : تبدأ هذه الآيات ببحث واضح جلي حول المعاد ، ثم تبيّن وتبحث حال المجرمين في العالم الآخر ، وهي في المجموع تتمة للبحوث السابقة التي تحدثت حول المبدأ ، إذ إنّ البحث عن المبدأ والمعاد مقترنان غالباً في القرآن المجيد فتقول : إنّ هؤلاء الكفار يتساءلون باستغراب بأنّنا إذا متنا وتحوّلت أبداننا إلى تراب واندثرت تماماً فهل سوف نُخلق من جديد : « وَقَالُوا أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ » . إنّ التعبير ب « ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ » إشارة إلى أنّ الإنسان يصبح تراباً بعد موته كسائر الأتربة ويتفرّق هذا التراب نتيجة العوامل الطبيعية وغير الطبيعية ، ولا يبقى منه شيء حتى يعيده اللَّه سبحانه في القيامة مرّة أخرى . إلّا أنّ هؤلاء ليسوا بمنكرين قدرة اللَّه « بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبّهِمْ كَافِرُونَ » فإنّهم ينكرون مرحلة لقاء اللَّه والحساب والثواب والعقاب لتبرير حرية العمل وليعملوا ما يريدون . وهذه الآية تشبه كثيراً الآيات ( 3 - 6 ) من سورة القيامة التي تقول : « أَيَحْسَبُ الْإِنسنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قدِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنسنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيمَةِ » . بناء على هذا ، فإنّ هؤلاء ليسوا قاصرين من ناحية الاستدلال ، ولكن شهواتهم حجبت قلوبهم ، ونيّاتهم السيئة منعتهم من قبول مسألة المعاد . وتجيب الآية هؤلاء عن طريق آخر ، فتقول : لا تتصوّروا أنّ شخصيتكم بأبدانكم وأجسامكم ، بل بأرواحكم ، وهي باقية ومحفوظة : « قُلْ يَتَوَفكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكّلَ بِكُمْ